الراغب الأصفهاني
86
الذريعة إلى مكارم الشريعة
بيان ما به يفضل الإنسان « 1 » الإنسان وإن كان هو بكونه إنسانا أفضل موجود فذلك بشرط أن يراعي ما به صار إنسانا ، وهو العلم الحق « 2 » والعمل المحكم ، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضل ، ولهذا قيل : الناس أبناء ما يحسنون « 3 » ، أي ما يعرفون ويعملون من العلوم والأعمال الحسنة . يقال أحسن فلان إذا علم وإذا عمل حسنا . أما الإنسان من حيث ما يتغذى وينسل فنبات ، ومن حيث ما يحس ويتحرك فحيوان ، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في جدار . وإنما فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه ولهذا قيل : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة . فالإنسان يضارع الملك بقوة العلم والنطق والفهم ، ويضارع البهيمة بقوة الغذاء والنكاح ، فمن صرف همته كلها إلى تربية الفكر بالعلم والعمل فخليق أن يلحق بأفق الملك فيسمى ملكا وربانيّا كما قال تعالى : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ « 4 » ، ومن صرف همته كلها إلى تربية القوة الشهوية باتباع اللذات البدنية ، يأكل كما تأكل الأنعام فخليق أن يلحق بأفق البهائم ، فيصير إما غمرا كثور أو شرها كخنزير ، أو ضرعا ككلب ، أو حقودا كجمل ، أو متكبرا كنمر ، أو ذاروغان كثعلب ، أو يجمع ذلك كله فيصير كشيطان مريد ، وعلى ذلك قوله تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ « 5 » .
--> ( 1 ) في بيان هكذا في د ، ط . ( 2 ) وصف العلم « بالحق » تفردت بها ط لكنها أصح للتمييز بين علم وعلم . ( 3 ) للإمام على قيمة كل أمري ما يحسنه / نهج البلاغة / 375 . ( 4 ) يوسف / 31 . ( 5 ) المائدة / 60 .